تصاعد الإجهاض.. غزة تواجه انهياراً صحياً وانتهاكاً متواصلاً للحقوق الإنجابية

تصاعد الإجهاض.. غزة تواجه انهياراً صحياً وانتهاكاً متواصلاً للحقوق الإنجابية
أطفال في غزة- أرشيف

في غزة، لا تمضي الحياة في مسارها الطبيعي، بل تتعثر بأهلها في طرقٍ وعرة، حيث لا تُقابل الولادات بفرحٍ، بل يسبقها قلق ثقيل يختنق في الصدور قبل أن تخرج أولى أنفاس المواليد، وتُطرح أسئلة عن فرص النجاة لا عن ملامح الغد، ففي هذه الرقعة الجغرافية المحاصرة تتحول الأرحام إلى ساحات صراع صامت، وتصبح الحقوق الإنجابية إحدى أكثر ضحايا الحرب والتجويع والتدمير والإهمال.

وتشير المؤشرات الصحية إلى تراجع ملحوظ في معدلات المواليد في قطاع غزة، ليس بوصفه خيارا اجتماعيا أو تحولا ديموغرافيا طبيعيا، بل نتيجة مباشرة لانهيار المنظومة الصحية وسوء التغذية والضغط النفسي المزمن الذي تعيشه النساء في مرحلة الحمل والإنجاب.

ودفعت الأوضاع بالعديد من النساء إلى تأجيل الحمل قسرا، لا خوفا من الأمومة، بل خوفا من فقدان فلذات أكبادهن، تحت وطأة تراجع مستوى الرعاية الصحية والإنجابية، وتدهور أوضاع المنظومة الصحية والطبية، وهي العوامل التي تسلب الأمهات الإحساس بالأمان وتزيد من معدلات الخطر.

وفي المقابل، يتصاعد الإجهاض المعلن والخفي، بوصفه أحد أخطر المؤشرات على الانهيار الصحي والحقوقي، فالإجهاض في غزة ليس دائما قرارا، بل نتيجة لسوء تغذية الأم، وغياب المتابعة الطبية، وانعدام الأدوية الأساسية، والضغط النفسي الناتج عن القصف المستمر والنزوح وفقدان الأمان.

الأسوأ أن كثيرا من حالات الإجهاض لا تُسجل رسميا، إما لعدم الوصول إلى المستشفيات، أو لانهيار منظومة التوثيق، أو لوفاة الأجنّة داخل البيوت ومراكز الإيواء، ليتحول النزف إلى رقم غائب، والألم إلى قصة بلا شهادة.

عنف إنجابي منظم

تعاني أقسام النساء والتوليد في غزة من نقص حاد في المستلزمات الطبية، من أجهزة السونار وأدوية تثبيت الحمل، إلى وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة، كما يعمل الأطباء تحت القصف، وتجري القابلات عمليات الولادة في ظروف غير إنسانية وبلا رعاية إنجابية وصحية، فعادة ما تلد النساء على الأرض أو في سيارات إسعاف متوقفة أو بلا تخدير، وبلا حد أدنى من الكرامة الطبية.

هذا الانهيار لا يهدد الأمهات فقط، بل يرفع معدلات وفيات الأمهات والمواليد، ويخلف آثارا طويلة الأمد على الصحة الجسدية والنفسية للنساء، في انتهاك واضح للحق في الصحة والحق في الحياة والحق في تقرير المصير الإنجابي.

ووفق المعايير الدولية، تُعد الحقوق الإنجابية جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية، لكنها في غزة باتت أقرب إلى الامتياز المستحيل، فالمرأة الغزية لا تملك حرية الاختيار في الإنجاب أو عدمه، ولا تملك ضمانات الحمل الآمن، ولا الحق في ولادة كريمة، ولا حتى حق النجاة من مضاعفات يمكن تفاديها في أي مكان آخر.

وبحسب تقرير لمنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" بالتعاون مع جامعة شيكاغو، فقد أسفرت الحرب الإسرائيلية عن تراجع معدلات الولادة في قطاع غزة بنسبة 41%، نتيجة الانهيار شبه الكامل لخدمات الصحة والحقوق الإنجابية، إلى جانب الاستهداف الممنهج للمستشفيات والمراكز الطبية، ووصفت التقرير هذا الواقع بأنه "عنف إنجابي منظم" يرتقي إلى مستوى جريمة الإبادة الجماعية، وفق القانون الدولي.

ووثّقت تقارير حقوقية، خلال الفترة الممتدة بين يناير ويونيو 2025، نحو 2600 حالة إجهاض، و220 حالة وفاة مرتبطة بالحمل، و1460 ولادة مبكرة، إضافة إلى أكثر من 1700 مولود ناقص الوزن، مشيرة إلى أن ما يزيد على 2500 رضيع احتاجوا إلى رعاية مكثفة داخل حضانات تعاني نقصا حادا في الكهرباء والوقود والمستلزمات الطبية، ما جعل فرص بقائهم على قيد الحياة محدودة إلى حد بالغ.

أوضاع شديدة القسوة

بقوله إن "الصورة الحقيقية ربما تكون أكثر قتامة مما هو موثق في التقارير والبيانات"، يقول نائب مدير عام الرعاية الأولية للصحة العامة الفلسطينية في قطاع غزة، الدكتور رامي العبادلة، إن الإحصاءات الصحية الأخيرة لا تعكس الواقع الكامل، وإنما تمثل جزءا مهما منه يسلط الضوء على أوضاع الصحة الإنجابية خلال فترة زمنية محددة.

وأوضح العبادلة في تصريح لـ"جسور بوست" أن الولادات المسجلة خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يونيو 2025 تعود في الأساس إلى حالات حمل وقعت فعليا بين شهري مارس وسبتمبر 2024، وهي مرحلة شهدت نزوحا واسعا تجاوز 1.7 مليون شخص، اضطر معظمهم للعيش في خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الخصوصية، حيث تقيم عائلات كاملة داخل خيمة واحدة، ما جعل الظروف الطبيعية للحمل شبه مستحيلة.

وأشار إلى أن الأوضاع المعيشية خلال تلك الفترة كانت شديدة القسوة، إذ واجه السكان صعوبات بالغة في الحصول على الغذاء والمياه، بينما تحملت النساء العبء الأكبر في تأمين مياه الشرب والنظافة، مضيفا أن سوء التغذية طال مختلف فئات المجتمع، بمن في ذلك النساء الحوامل، حيث تجاوزت نسبة الإصابة بفقر الدم بينهن 90%.

وأكد المسؤول الصحي أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت بشكل مباشر في انخفاض معدلات الإخصاب وارتفاع حالات الإجهاض، في ظل تدهور الصحة العامة داخل بيئة الخيام، وانتشار الأمراض المعدية، وعلى رأسها التهاب الكبد الوبائي، إلى جانب أمراض أخرى متعددة، لافتا إلى أن النقص الحاد في الأدوية والمضادات الحيوية، بالتزامن مع انتشار الأنيميا، أدى إلى مضاعفات صحية خطيرة طالت مختلف الفئات، لا سيما النساء الحوامل والأطفال.

وفي ما يتعلق بخدمات رعاية الحمل، كشف العبادلة أن هذه الخدمات كانت شبه منهارة خلال تلك الفترة، نتيجة تدمير أكثر من 70% من مراكز الرعاية الصحية الأولية، وتكدس السكان في مناطق تفتقر إلى مرافق تقديم الخدمات، معتبرا أن البيانات المتوفرة لا تعكس سوى جزء من واقع صحي أكثر سوءًا.

انتشار واسع للعدوى

وحول الولادات التي تمت بين يناير ويونيو 2025، أوضح أن معظمها جرى في ظل استمرار الحرب وتصاعد النزوح إلى ذروته، إلى جانب فقدان أكثر من 60% من القدرة الاستيعابية لأسرة المبيت وأكشاك الولادة، مقارنة بما كان متاحا قبل الحرب، مضيفا أن غرف الولادة شهدت انتشارا واسعا للعدوى، في ظل غياب شبه كامل للالتزام ببروتوكولات مكافحة العدوى، نتيجة النقص الحاد في مواد التعقيم والنظافة ووسائل الوقاية الأساسية.

وأشار إلى أن الكوادر الطبية كانت تعاني من استنزاف كبير، إذ فقد القطاع الصحي عددا واسعا من العاملين ما بين شهداء ومعتقلين، ومغادرين للقطاع، ما أثر بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية ومدخلاتها الأساسية.

وعلى مستوى الحضانات، أوضح العبادلة أن أقل من 40% منها كانت تعمل مقارنة بما قبل الحرب، حيث كان يتوفر نحو 150 حاضنة، لم يبقَ منها قيد التشغيل سوى نحو 70 حاضنة فقط، لافتا إلى النقص الحاد في الأدوية داخل الحضانات، لا سيما الأدوية اللازمة للوقاية من العدوى، فضلا عن تراجع تطبيق بروتوكولات مكافحة العدوى بشكل كبير.

كما أشار إلى العجز الكبير في الحضانات المخصصة لرعاية الأطفال الرضع، والنقص الحاد في الأجهزة والمعدات الطبية وآليات المتابعة والمضادات الحيوية، والأدوية الضرورية لرعاية حديثي الولادة منخفضي الوزن.

وأكد أن هذه العوامل مجتمعة شكّلت الأساس لواقع صحي شبه منهار خلال تلك الفترة، لا تعكسه الأرقام إلا جزئيا، وفي ما يتعلق بوفيات المواليد، كشف العبادلة، استنادا إلى تقديرات ودراسات أولية، أن معدلات وفيات حديثي الولادة تضاعفت ما بين أربع إلى ست مرات مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، واصفا ذلك بأنه "الجزء الخفي من جبل الجليد" الذي لم يحظَ بالاهتمام الدولي الكافي.

وخلص إلى أن الوفيات في قطاع غزة لم تكن ناجمة عن الاستهداف الحربي المباشر فقط، بل شملت مختلف المستويات الصحية، بما فيها الصحة الإنجابية وخدمات المواليد وغيرها من الخدمات الطبية المتضررة، مؤكدا أن أعداد الوفيات غير المباشرة كانت كبيرة وضخمة، ولم تُمنح الاهتمام الذي يتناسب مع فداحتها.

تحرك دولي عاجل

بدوره، أكد مدير الهيئة الدولية لحقوق الشعب الفلسطيني، الدكتور صلاح عبد العاطي، في حديثه لـ"جسور بوست"، أن التراجع الحاد في معدلات المواليد بنسبة 41% -إلى جانب المخاطر الجسيمة التي تهدد الأجنة والنساء الحوامل وحديثي الولادة- يشكل أحد أوجه جريمة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة، ويعكس في الوقت ذاته حالة الانهيار الصحي والانتهاكات المنهجية للحق في الصحة الإنجابية، ولحقوق النساء والأطفال.

وشدد عبد العاطي على أن ما يجري يستدعي تحركا دوليا عاجلا للضغط من أجل وقف هذه الجرائم، ومساءلة إسرائيل عن الانتهاكات المرتكبة، والتي أسفرت، بحسب تقديراته، عن إبادة ما يقارب 13% من سكان قطاع غزة ما بين شهداء ومفقودين وجرحى، فضلًا عن حرمان نحو 41% من المواليد من الحق في الحياة نتيجة حرب الإبادة، عدا عمّا لحق بالأجنة وحديثي الولادة من تشوهات خلقية ووفيات.

وأكد أن المطلوب في المرحلة الراهنة هو ممارسة ضغط دولي فوري لوقف الإبادة، والشروع العاجل في إنعاش القطاع الصحي، وضمان حماية حقوق الأطفال والنساء داخل قطاع غزة، باعتبارها التزاما قانونيا وأخلاقيا لا يقبل التأجيل.

استهداف لقطع النسل

ومن جانبه يرى أحد رموز العمل الأهلي الفلسطيني المقيمين في قطاع غزة، ناصر الكتناني، في حديثه لـ"جسور بوست"، أن جيش الاحتلال اعتمد منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة التي شنها على القطاع، نهجا ممنهجا يستهدف قطع النسل الفلسطيني، من خلال استخدام أسلحة وقنابل محظورة دوليا، تتعارض مع جميع المواثيق والشرائع الدولية.

واستند الكتناني في ذلك إلى تقارير صادرة عن صحيفة الغارديان البريطانية، والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في غزة، ومنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، و"أطباء بلا حدود"، والتي أفادت بتراجع تدريجي في معدلات الولادة في قطاع غزة تجاوز 45%، وصولا إلى ذروة هذا الانخفاض مع نهاية الحرب، وأرجعت هذه التقارير ذلك إلى الانهيار شبه الكامل لخدمات الرعاية الصحية الإنجابية، سواء المقدمة للأمهات أو للأطفال.

وأشار إلى أن سياسة المجاعة والتجويع التي مارسها جيش الاحتلال بحق السكان أدت إلى نقص حاد في الغذاء وسوء تغذية واسع النطاق، لا سيما بين النساء الحوامل والمرضعات، معتبرا أن هذا النهج يندرج ضمن أشكال العنف المنظم التي ترقى إلى جرائم حرب وفق معايير القانون الدولي وهيئات حقوق الإنسان.

ولفت الكتناني إلى أن التقارير الحقوقية التي غطت الفترة الممتدة من يناير 2024 وحتى نهاية الحرب، وثقت أكثر من 3000 حالة إجهاض داخل قطاع غزة، إضافة إلى ما بين 220 و250 حالة وفاة مرتبطة بالحمل، سواء لولادات مبكرة أو لأجنة فارقت الحياة داخل أرحام أمهاتها، ما يعكس تراجعًا حادًا في معدلات الولادة، وتصاعدًا خطيرًا في حالات الإجهاض، في ظل انهيار صحي شامل، وانتهاكات متواصلة لحقوق النساء والأطفال في قطاع غزة.

وذكر بما وصفه بـ"الجريمة المنظمة" التي وثقتها الوكالات الدولية خلال اقتحام مجمع الشفاء الطبي ومستشفى الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، حيث تُرك الأطفال الرضع داخل الحضانات من دون رعاية، عقب اعتقال وتهجير الطواقم الطبية المشرفة عليهم، ما أدى إلى وفاة جميع الأطفال الموجودين في تلك الحضانات نهاية عام 2023 وبداية عام 2024، ومع عودة الفرق الطبية لاحقا عُثر على بقايا هؤلاء الأطفال وقد تحولت إلى عظام متناثرة.

وشدد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي ورفع دعاوى أمام المحاكم الدولية لمحاسبة النظام الإسرائيلي، الذي يقوده بنيامين نتنياهو، على ما وصفها بجريمة إنسانية غير مسبوقة بحق الأطفال والنساء الحوامل، وبحق الحقوق الإنجابية للشعب الفلسطيني.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية